الشيخ محمد النهاوندي
178
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
والصحّة والأمان ونظائرها وَلا تَفْرَحُوا ولا تسرّوا بِما آتاكُمْ اللّه وأعطاكم منها ، فانّ من علم أنّ إقبال الدنيا وإدبارها بتقدير اللّه لا بسعي الانسان وكدّه ، لا يشتدّ جزعه على إدبارها ، لعلمه بكونه لصلاح أنفع منه ، ولا فرحه بأقبالها لتجويزه ذهابه في أسرع وقت ، أو كونه امتحانا واستدراجا . وعن بعض الحكماء : لا التأسّف يردّ فائتا ، ولا الفرح يقرّب معدوما ويديم آتيا « 1 » . وعن ابن مسعود : لأن أمسّ جمرة أحرقت ما أحرقت وأبقت ما أبقت ، أحبّ إلي من أن أقول لشيء لم يكن ليته كان « 2 » . وعن أمير المؤمنين عليه السّلام : « الزّهد كلّه بين كلمتين في « 3 » القرآن قال اللّه تعالى : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ومن لم يأس على الماضي ، ولم يفرح بالآتي ، فقد أخذ الزّهد بطرفيه » « 4 » . وعن السجاد عليه السّلام : « ألا إنّ الزّهد في آية من كتاب اللّه » ثمّ تلا هذه الآية « 5 » . ثمّ نبّه سبحانه على أنّ الأسى المذموم هو المانع عن التسليم لأمر اللّه ، والفرح المبغوض هو الفرح الموجب للاختيال والفخر بقوله : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ بل يبغض كُلَّ شخص مُخْتالٍ ومتكبّر فَخُورٍ ومتطاول على عباده ، فانّ من عظمت عنده الحظوظ الدنيوية وفرح بها ، اختال وافتخر بها لا محالة ، وأمّا الفرح بنعمة اللّه والشّكر عليها فغير مذموم . عن ابن عباس ، قال : ليس أحد إلّا وهو يفرح ويحزن ، ولكن اجعلوا للمصيبة صبرا ، وللخير شكرا « 6 » . [ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 24 إلى 25 ] الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( 24 ) لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 25 ) ثمّ لمّا كان التكبّر والتطاول على الناس بالأموال وكثرة النّعم الدنيوية لعظمتها في نفسه وشدّة حبّه لها ملازما للبخل بها ، وصف سبحانه المختال والفخور بقوله : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بأموالهم ، ولا
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 376 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 9 : 376 . ( 3 ) . في نهج البلاغة : من . ( 4 ) . نهج البلاغة : 553 / 439 ، تفسير الصافي 5 : 138 . ( 5 ) . الكافي 2 : 105 / 4 ، الخصال : 437 / 26 ، تفسير الصافي 5 : 138 . ( 6 ) . تفسير الرازي 29 : 239 .